جيرار جهامي ، سميح دغيم
435
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
نظرة غائيّة من حيث كونه شوقا مطلقا نحو الكمال . فغاية الإنسان معرفة نفسه ، ومعرفة نفسه هي معرفة كل الحقيقة والإلمام بجوانبها كافّة . في الفكر النقدي - إن الصورة الجديدة للإنسان لم تكن لترسم لولا الإيمان بطاقته في أبعادها الكيانية ، وميوله التوّاقة إلى التحرّر والاستقلالية . وها هو تاريخ الإنسانية يشهد على مدى مقاومته للعبودية ، وزخم اندفاعه للتحرّر فكرا وعملا من كل ما يمكن أن يصادفه من معوقات مادية ومعنوية ، روحية ونفسية ، إلى حدّ زعمه أن باستطاعته الحلول مكان اللّه نفسه . وما العلمنة والإلحاد سوى الدليلين على هذا الانعتاق عن كل ما يكبّل نشاط الإنسان من قيود عقيدية أفقدته إمكانية تطوّره الذاتي ، وتقعيده لسلّم قيمي يضعه أساسا لسلوكه . لكن هذه القفزة التي شاءها بعض الفلاسفة سمة من سمات نموّ الوعي الإنساني نحو ذاته ، أدّت وتؤدّي إلى فقدان الإنسان المعاصر جزءا من إنسانيته . وهو أمر دعا بعض النقّاد إلى إعادة طلب أنسنة هذا الإنسان ، في ضوء تطبيق شرعة حقوقه ، والقضاء على الفئوية والأصولية سيّما الأحكام الجائرة التي تقضي على أنسية الإنسان . فالإنسان مع محمد أركون هو كائن تاريخي ، ونتاج اجتماعي حكمته أدوات عقلية مستوعبة في اللغة . هذا الكائن يتأرجح دائما بين رغبة الحصول على رضى اللّه ، وبين محدودية المسار المحفوف بالشرّ والعنف . هكذا نفسّر البعد اللاهوتي الديني للإنسان ، والمتقابل مع التفهّم النفساني والتاريخي والانثروبولوجي لطبيعته ؛ وكيف يمكن لهذا الكائن التاريخي أن يحصل على رضى اللّه . وإلى قريب من هذا الرأي ، ذهب مالك بن نبي إلى اعتبار الإنسان صياغة تاريخ طويل تراكمت معطياته كمّا وكيفا . لذلك فهو لا ينظر إليه إلّا من خلال ديناميّته ، أي من خلال حركته التي تبني معادلته الشخصية ، أي عن مدى صلاحيته في العمليات الاجتماعية . وفي نظرة نقدية لافتة يركّز نديم البيطار على مجتمعية الإنسان ، وعلى التعقيد الذي أصاب هذه المجتمعية في المجتمع الحضاري الحديث . فالتصوّر الطوباوي الذي يحصر الإنسان في جماعة صغيرة يفقده إنسانيته القائمة على النقدية والعقلانية . فهو يفترض أن وجود دولة أو سلطة سياسية هو الذي كان ينحرف بمجتمعية الإنسان عن طريقها الطبيعي . فالفوضوية ، بالرغم من أنها لا تؤمن بالفضيلة الطبيعية للإنسان ، فإنها تؤمن بأنه كائن اجتماعي بذاته . وإلى النظرة الدينامية نفسها يذهب علي حرب مفترضا أن مفهوم الإنسان يقارب على مستويين : الأول هو عالمه الرمزي ، والثاني هي نتاجاته المادية . وماهيته تتوكّد من خلال مراجعته النقدية لكل أفكاره وأفعاله ضمن الحقل الرمزي القيمي الذي ينتمي إليه . فالإنسان دينامية فاعلة ناقدة ، إنه حركة قلقة متوتّرة تسعى إلى التوسيع والتطوير والخلق والتبديل .